محمد سعيد رمضان البوطي
361
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
لغا كثير من الكتاب المعاصرين في أمر هذا العزل ، محاولين أن يجعلوا منه سبيلا للانتقاص من مكانة خالد رضي اللّه عنه . غير أن تفسير هذا العزل واضح في عمل عمر نفسه ، وفي كلامه الذي قاله عن خالد ، وما تضمنه من الثناء عليه . فقد قال له ، كما أسلفنا : واللّه يا خالد إنك عليّ لكريم وإنك إليّ لحبيب . وكتب إلى أهل المصر يوضح سبب عزله له قائلا : إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة ، ولكن عزلته شفقة على النفوس من سرعة هجماته وشدة صدماته « 9 » . ولما أخبر عمر بمرض خالد ، وكان عمر على مسيرة ثلاثة أيام من المكان الذي فيه خالد وهو المدينة ، طوى هذه المسافة في ليلة واحدة . فأدركه وقد قضى نحبه ، فاسترجع ورقّ عليه ، وجلس عند باب داره حتى تمّ تجهيزه . ولما بكته البواكي قيل لعمر ألا تسمع ؟ ألا تنهاهن ؟ فقال : وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع ولا لقلقة ؟ ولما خرج عمر في جنازته رأى امرأة محرمة تبكيه فقال : من هذه ؟ فقيل له : أمه . فقال : أمّه ؟ واها له ، قالها ثلاثا . ثم قال : وهل قامت النساء عن مثل خالد « 10 » ؟ ثانيا - هذا الذي ذكرناه يقتضي أن خالدا توفي ودفن في المدينة . وإلى ذلك ذهب بعض المؤرخين . غير أن الجمهور ذهبوا إلى أن الصحيح أنه توفي ودفن في حمص ، وهو ما رجّحه ابن كثير في البداية والنهاية . إذ الثابت أن خالدا اعتمر بعد أن عزله عمر ثم رجع إلى الشام فلم يزل بها حتى مات سنة إحدى وعشرين . وعلى كل حال ، فإن لسان عمر كان لسان ثناء على خالد ، سواء في حياته وبعد مماته . روى ابن كثير عن الواقدي أن عمر رأى حجاجا قد قدموا من حمص ، فقال : هل من خبر نعرفه ؟ قالوا : نعم ، مات خالد . فاسترجع عمر ، ثم قال : كان واللّه سدادا لنحور العدوّ ميمون النقيبة . غير أن ثناءه عليه لا يتعارض مع بعض المواقف الاجتهادية التي قد يختلف فيها رأي كل منهما عن الآخر ، فيعمل كل منهما بالرأي الذي يراه . وليت أن الذين ينتقصون من مكانة خالد لموقف عمر منه أو ينتقصون من مكانة عمر للموقف ذاته ، يحيطون بالأمر من أطرافه ، ويفرقون بين الموقف الاجتهادي المأجور عليه على كل حال ، والانحراف الفكري أو السلوكي الذي يتنزه عنه أصحاب رسول اللّه . ثالثا - من أبرز ما يلاحظه المتأمل في خلافة عمر ، ذلك التعاون المتميز الصافي ، بين عمر وعلي رضي اللّه عنهما ، فقد كان عليّ هو المستشار الأول لعمر في سائر القضايا والمشكلات .
--> ( 9 ) البداية والنهاية : 7 / 81 ( 10 ) المرجع ذاته .